السبت، 26 نوفمبر 2011

مرة أخرى حول مقاطعة الانتخابات الپرلمانية والرئاسية فى مصر








: رغم أن إدخال تعديلات على دستور 1971 الدائم كان من مطالب قوى المعارضة قبل الثورة، وقوى الثورة منذ تفجُّر الثورة، إلا أن النظام المصرى بدون مبارك (أىْ الثورة المضادة)، انطلق من التعديلات المطلوبة التى أمر مبارك قبيل تنحيته مباشرة بإجرائها، والتى ألَّف المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإعدادها لجنة مشبوهة وأجرى استفتاءً مهرولا على تعديلاتها المقترحة، بعد تنحية مبارك بشهر وأسبوع وحصل على الموافقة عليها، وجعل من هذه التعديلات غير الدستورية، لأنها تعديلات على دستور معطل، ولأنه لم يجر إقرارها بطريقة شرعية، أساسا تقوم عليها وعلى الإعلان الدستورى الذى أصدره المجلس العسكرى بمرسوم شرعيةٌ جديدةٌ للحكم الحالى للمجلس العسكرى وكذلك للحكم المقبل. وكان الاتجاه الحاسم للطغمة العسكرية إجراء الانتخابات الپرلمانية والرئاسية بأقصى سرعة (حتى منذ يونيو أو يوليو الماضى) غير أن ضغوط الثورة نجحت فى تأجيلها إلى أواخر العام. وتشمل السلسلة الطويلة لهذه الانتخابات انتخاب مجلس الشعب مرتين وما يسمى بمجلس الشورى مرتين ورئيس الجمهورية مرتين وكذلك الاستفتاء الدستورى الجديد على الدستور الجديد بعد استفتاء 19 مارس على التعديلات الدستورية. وكانت قوى معارضة عديدة، على رأسها الإخوان المسلمون والسلفيون والليبراليون اليمينيون، تؤيد المجلس العسكرى فى سرعة إجراء العملية الانتخابية وصولا إلى تسليم السلطة للمدنيِّين المنتخَبين (الذين يعنون بهم أنفسهم) وعودة الجيش إلى الثكنات، وعارضت هذه القوى جنبا إلى جنب مع المجلس العسكرى مظاهرات الثورة واعتصاماتها وإضراباتها ومختلف مبادراتها ونضالاتها فى الميادين وكذلك فى مواقع العمل، أىْ النضالات العامة وكذلك تلك "المسماة بالاحتجاجات الفئوية". ولم يكن رفض كثير من قوى الثورة المخلصة للتعجيل بالانتخابات رغبةً منها فى بقاء الحكم فى أيدى العسكر، فقد طالبت هذه القوى من البداية بمجلس انتقالى توافقى وبعودة الجيش إلى الثكنات، غير أن التوافق كان مستحيلا لأن القوى التى شاركت فى الثورة كانت لها أهداف مختلفة تماما من الثورة، أهداف مصلحة الثورة والشعب والطبقات الفقيرة من جانب، وأهداف الحصول على الشرعية والاعتراف من جانب قوى الإسلام السياسى، التى انقلبت على الثورة بمجرد حصولها على ما أرادت فانتقلت، جنبا إلى جنب مع المجلس العسكرى والأحزاب الليبرالية اليمينية و"أحزاب" الحزب الوطنى، إلى ممارسة ثورتها المضادة لتصفية الثورة وصولا إلى شراكة حقيقية مع القوى المالكة والحاكمة فى مصر.
2: وبعيدا عن نظرية المؤامرة أىْ بعيدا عن المبالغة فى دور مؤامرات حقيقية أو متوهمة، وجدت الثورة نفسها أمام إستراتيچية جهنمية محكمة وضعتها الخبرة المصرية والعربية والأمريكية لاستخدام العملية الانتخابية الواسعة النطاق والممتدة ربما حتى 2013 كأداة رئيسية لتصفية الثورة انطلاقا من أن الانتخابات بطبيعتها من شأنها كالعادة أن تجذب كل اهتمام كل القوى المشاركة بعيدا عن النضالات الثورية مع أن ثمارها ستكون من نصيب قوى سياسية بعينها ولن تكون بحال من الأحوال من نصيب القوى المخلصة للثورة وأهدافها ومطالبها. ونظرا لأن الانتخابات ستكون متكررة وممتدة فإنها سوف تجمِّد خير الجهود الثورية للطبقات الشعبية زمنا كافيا لهبوط مستوى قوة دفع الثورة إلى حد أدنى يمكن أن يتعامل معه بكل كفاءة نظام رأسمالى تابع يكون قد استعاد استقراره وكفاءة وفاعلية آلياته إلى حد كبير. ولأن "صاحب بالين كدّاب" ولأن "خادم سيدين منافق وكدّاب كذلك"، ولأن طبيعة الانتخابات تجعل منها السيد الأقوى، فإنه لا مناص من أن يكون التركيز ليس على النضال الثورى بل على الانتخابات ودعايتها وتاكتيكاتها وتربيطاتها وتحالفاتها، حيث لا وقت للجمع بين المهمتين ولا قوى مناضلة كافية لتغطية متطلبات الانتخابات والفعل الثورى فى آن معا. والاستنتاج المنطقى الوحيد هو دخول قوى الثورة فى نفق مظلم وراء سراب خادع على مدى عام ونصف مثلا لنكتشف فى نهاية النفق المظلم، أىْ بعد فوات الأوان، أن قوة دفع الثورة قد تراجعت وأن الجهود التى ذهبت إلى الانتخابات لم يكن من شأنها زيادة قوة دفع الثورة بل كانت خَصْمًا صافيا عليها.
3: وإذا استنتجنا من هذا أن مقاطعة الانتخابات الپرلمانية والرئاسية جميعا ضرورة من ضرورات استمرار الثورة وأن المشاركة لن تكون بحال من الأحوال أداة من أدوات أو شكلا من أشكال استمرارها فإن هذا لا يعنى أننا ننطلق من موقف مبدئى يؤيد المقاطعة دائما وفى كل الأحوال بل نؤيدها هنا والآن لأننا فى زمن الثورة، ويُقال لنا إننا لسنا فى زمن الثورة بل فى زمن الثورة المضادة وكأن الثورة قد فات أوانها وفاتها القطار وأن الثورة المضادة قد انتصرت وتربعت على العرش من جديد. غير أننا فى زمن الثورة والثورة المضادة معا فهما لا ينفصلان وما يزال الصراع بينهما مفتوحا على مصراعيه ويملك كل من الثورة والثورة المضادة نقاط قوة ويعانى كل منهما من نقاط ضعف بطريقة تحقق توازنا فى القوة إذا أخذنا فى اعتبارنا حقائق لا تخطئها عين. فالثورة لا تقتصر على قوى الطليعة الثورية بمختلف أطيافها والتى لا شك فى أنها أقل عددا من قوى الثورة المضادة، مع أن هذه الطليعة حققت نجاحات كبيرة فى مختلف ميادين وشوارع مصر وفى كثير من مواقع العمل والمهن، بل تشمل الثورة كل فرد من الشعب ما يزال عاقد العزم على أن يأخذ حقوقه وحرياته الآن بعد أن أيقظته الثورة. ولا شك فى أن قوى الثورة المضادة أكثر فاعلية فى مجال العملية الانتخابية باعتبارها أداتها فى المشاركة فى السلطة وإدارة الاقتصاد غير أنه لا شك أيضا فى أن قوى الطليعة الثورية، بمآثرها ولكنْ قبل كل شيء بفضل المزاج الثورى لطبقات الشعب كما يتبدى فى الاحتجاجات المسماة بالفئوية للطبقة العاملة وبقية الطبقات الشعبية وكل العاملين وأبناء مختلف المهن من القضاة والمحامين إلى المعلمين والأطباء إلى... أمناء الشرطة، حيث يعمل جميع المظلومين على رفع المظالم. والحقيقة أن اعتبار هذه الاحتجاجات لا تتجاوز أفق النضال الاقتصادى الذى كان قويا وربما أقوى فى بعض الفترات فى بعض المواقع قبل الثورة فإنه يتجاهل واقع النطاق الواسع الشامل والمتواصل لهذه الاحتجاجات فى كل المواقع تقريبا وحقيقة أنها تجرى فى إطار مختلف يخلقه زمن الثورة حيث ترتبط كل جزئية بالكل الذى يعطى إطارا مختلفا ومغزى مختلفا لكل جزئية.
4: وفى الأوقات العادية قد يكون إنجاح عدد وإنْ قليل فى عضوية الپرلمان بتجنيد كل طاقات قوى المعارضة الثورية لفترة محدودة مكسبا له مغزاه أما فى زمن الثورة فإن تجنيد كل طاقات قوى الثورة لفترة ممتدة لإنجاح قلة من المناضلين كأعضاء فى الپرلمان سيكون باهظ الثمن بل قاتلا لأنه يُبْعد كل هذه الطاقات عن الفعل الثورى الذى يمكن بنتائجه التراكمية أن يحقق الكثير. وهناك سؤال مهم يتعلق بمؤيِّدى المشاركة فى الانتخابات الپرلمانية وهو بصراحة: ما قيمة الپرلمان فى العالم الثالث؟ ويعلم الجميع أن پرلمانات العالم الثالث لا تزيد عن كونها ملحقات ثانوية جدا للمراكز الحقيقية للسلطة حيث تقوم بالتشريع حسب الأوامر من السلطة التنفيذية أو من الحزب الحاكم الذى لا يكون فى الحقيقة حزبا ولا حاكما لأن مثل هذا "الحزب" لا يكون فى غياب التعددية الحقيقية، كما هو الحال فى العالم الثالث، سوى ملحق من ملحقات المركز الحقيقى للسلطة. وإذا قلنا إنه فى الأوقات العادية يمكن السعى إلى المشاركة فى الانتخابات للاتصال بالجماهير والعمل بينها حول بعض المرشحين ولكسب حتى قلة من العضويات فى الپرلمان حيث لا تنطوى المشاركة على أضرار جسيمة على كل حال رغم وجود فوائد لا ينكرها أحد، فإن زمن الثورة يختلف عن ذلك تماما لأن أضرار وأخطار المشاركة فادحة وقد تصل إلى حد المشاركة على طريق إلى الجحيم مفروش بالنوايا الحسنة فى إضعاف قوة دفع الثورة ومن ثم فى تصفية الثورة. ويظل السؤال الحقيقى: فى أىّ زمن نحن الآن؟ زمن الثورة أم زمن الثورة المضادة؟ أم زمن الثورة وزمن الثورة المضادة وزمن الصراع المفتوح بينهما؟ ولا شك فى أن الإجابة بأننا فى زمن الثورة المضادة تمثل رؤية وفى أن الإجابة بأننا فى زمن الصراع المفتوح بين الثورة والثورة المضادة تمثل رؤية أخرى مختلفة جذريا، ومن الخلاف بين هاتين الرؤيتين المتصارعتين حتى بين رفاق سمتهم جميعا الوعى والصلابة والإخلاص يتفرع كل خلاف آخر. وهناك بالطبع سؤال مهم أيضا يتعلق بمؤيِّدى المشاركة فى الانتخابات الرئاسية وهو بصراحة أيضا: ما قيمة رئيس جمهورية سينقلب على الشعب بمجرد قيامه بانتخابه ممارسا سلطاته المطلقة المتوقعة فى غياب الفصل بين سلطات متوازنة كما هو متوقع أيضا، وهذا فى أفضل الأحوال إنْ جاز أن نصف بهذا استقلال رئيس الجمهورية القادم عن سيطرة العسكر؟ وما قيمة رئيس جمهورية سيخضع لتلك السيطرة بحكم واقع أن المجلس الأعلى يستمد شرعيته كما يراها من قيامه بالانقلاب العسكرى ضد مبارك تحت ضغط الثورة؟ ثم ما معنى كل هذا التكالُب من جانب "المرشحين المحتملين" لرئاسة الجمهورية على ذلك المنصب مع أن الدستور لم يوضع بعد ولم يقرِّر بعد بالتالى هل ستكون مصر جمهورية رئاسية كما يرغب كل محبِّى الديكتاتوريات الرئاسية السابقة فى مصر والعالم الثالث أم ستكون جمهورية پرلمانية كما يريد الشعب وكا تنادى الثورة؟
5: ويُقال إن القوة العددية والمالية والدعائية للقوى الثورية، فى زمن الثورة المضادة الذى يخيِّم على المكان والزمان الآن فيما يقال بطريقة أحادية، لا ترقى إلى مستوى القدرة على منح الشرعية للثورة المضادة ومجالسها النيابية الأربعة القادمة وعلى رئيسىْ الجمهورية القادميْن وعلى الدستور القادم، فلا ينبغى إذن أن نخشى أن نمنح الشرعية لأحد نتيجة لمشاركتنا، ويجرى تنبيهنا إلى أن قوى الثورة المضادة سوف تدَّعى الشرعية فى كل الأحوال ولن تمنعها المقاطعة من الإعلان الصاخب لشرعيتها. ولكننا لا نعنى أن المقاطعة ستحرمهم من الشرعية فى نظر الناخبين أو فى نظرتهم لأنفسهم بل نقصد أن عدم اعترافنا بشرعية المؤسسات القادمة التى تبنيها الثورة المضادة من خلال الانتخابات هو أساس نضالنا فى ساحات أخرى بعيدا عن ساحات الانتخابات الپرلمانية والرئاسية، كما أن هذا لا يعنى أننا سنتجاهل الجماهير الذاهبة إلى لجان الانتخابات للتصويت الذى سيتم تحت طائلة "كرباج" الغرامة الكبيرة التى تفرضها الطغمة العسكرية الآن بدلا من الإقرار بأن التصويت والامتناع عن التصويت حقان من حقوق المواطن يختار بينهما وفقا لما يُرْضى ضميره بلا غرامة على المقاطعة أو عدم التصويت وبلا مكافأة على المشاركة أو التصويت!
6: ويتساءل، بدورهم، بعض مؤيِّدى المقاطعة الذين يبدو لهم أن المقاطعة ستكون مجرد موقف سلبى بمعنى مجرد الابتعاد عن الانتخابات الپرلمانية والرئاسية عما إذا كان هناك موقف إيجابى يقوم على بديل ثورى للعملية الانتخابية برمتها. وقد يرون هذا البديل الثورى فى صورة عصيان مدنى أو إضراب عام أىْ فى صورة حدث ثورى كبير فى وزن العملية الانتخابية الپرلمانية الرئاسية الجارية وقد يكون قادرا على إفشالها فى سبيل عملية انتخابية ديمقراطية تجرى على أسس مختلفة. وبالطبع فإنه لا أحد يمكن أن يقف ضد استخدام أشكال نضالية قصوى مثل الإضراب العام عندما يكون ضروريا لإسقاط النظام أو لتحقيق مكسب من الوزن الثقيل وعندما تتوفر الشروط المطلوبة لنجاحه، غير أن النضالات الجارية بالفعل تمثل من ناحية البديل الثورى الحقيقى لعملية الشرعية الدستورية الجارية، كما تمثل من ناحية أخرى الطريق المؤدى بصورة تراكمية إلى الأشكال النضالية القصوى التى لا يمكن افتعالها بصورة مبتسرة.
7: فهل تستطيع النضالات الجارية الآن لقوى الثورة أن تحقق شيئا يمثل قطيعة مع الماضى كما يليق بثورة سياسية شعبية كبرى كالثورة المصرية؟ أعتقد أن هذا ممكن وعملى إذا لم تتخاذل قوى الثورة، إذا لم تجرِ وراء السراب الخادع للعملية الانتخابية لتركز طاقاتها وجهودها ومبادراتها على الفعل الثورى، على تحقيق تطوُّر تاريخى عينىّ يقلب الطاولة على الثورة المضادة أىْ على المجلس العسكرى والحلفاء القدامى والجدد للنظام. ويمكن أن نتفق على الطبيعة المحدَّدة لثورتنا باعتبار أنها ليست ثورة اشتراكية كما أنها ليست ثورة اجتماعية تنقل بلدا من نمط للإنتاج الاجتماعى إلى نمط إنتاج اجتماعى آخر مهما كان مدى عمق إصلاحاتها الاجتماعية، وباعتبار أنها ثورة شعبية فى سياق تاريخى محدَّد هو سياق التبعية الاستعمارية والرأسمالية التابعة وباعتبار أنه ليس من شأن ثورات مثل هذا السياق، التى تجرى ليس ضمن تحول اجتماعى تاريخى بل ضمن استقرار للتبعية الاستعمارية والرأسمالية التابعة مهما كانت اختلالاتها وأزماتها وفسادها واستبدادها، أن تنقل السلطة والاقتصاد إلى طبقة جديدة صاعدة إلا فى سياق تشكلات طبقية جديدة ضمن نفس النظام الرأسمالى التابع للرأسمالية العالمية. فلا يبقى أمام هذه الثورات باستبعاد سيطرة قواها على السلطة والاقتصاد سوى النتيجة الوحيدة البالغة الأهمية التى تخرج بها الطبقات العاملة والشعبية من الثورات على كل حال أىْ الديمقراطية من أسفل، التى ستظل بعد قيامها موضع صراع دائم مع ديكتاتورية الطبقة الحاكمة التى ستعمل على تصفيتها وبالتالى ستكون هذه الديمقراطية من أسفل قابلة للتوسع والانكماش وفقا للنتائج الفعلية فى كل مرحلة من مراحل الصراعات المقبلة.
8: ويعرف الجميع إنجازات الديمقراطية من أسفل إلى الآن وقد بدأت تلك الإنجازات بإجبار النظام على تنحية رئيس الجمهورية، ووضع حدّ للتمديد والتوريث مستقبلا فى العالم الثالث كله، وإرسال رؤوس الفساد والاستبداد إلى السجون، وكشف المدى المفزع لفساد حكامنا بصورة رفعت مستوى تسييس الشعب المصرى إلى مستويات غير مسبوقة، وإجبار "الرأسمالية المصرية" الحاكمة التابعة على استخلاص العبر فيما يتعلق بالاستبداد والفساد طالما بقيت هذه الثورة فى الذكرى تقض مضاجع حتى حكام الحاضر والمستقبل، وكشف المظالم وكسر الخوف وحفز الفعل الثورى بما جعل العالم يشهد بطولات نادرة (ليس فى مصر وحدها بالطبع بل ربما بصورة أكبر فى البلدان التى شهدت وتشهد مستويات من الحرب الأهلية وبالتحديد فى ليبيا واليمن وسوريا)، كما كان بين الإنجازات الكبرى ممارسة الحقوق والحريات الديمقراطية على أوسع نطاق وليس مجرد المطالبة بتحقيقها، ولن أعدِّد مختلف المنجزات ومغزاها فهى لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى على كل حال. غير أن هذه الإنجازات لم تتحول إلى مكاسب عميقة نهائية ومستقرة وإلى أدوات نضالية فعالة فى أيدى الشعب وإلى إطار شامل لديمقراطية تخلق توازنا تاريخيا فى مواجهة حكام الحاضر والمستقبل، وما تزال هذه المهام المعقدة الكبرى لإرساء أسس الديمقراطية من أسفل تنتظر أن تحققها الثورة وإلا فالويل للثورة المهزومة وقواها.
9: فما هى هذه الديمقراطية من أسفل؟ والحقيقة أنها لا تعنى أن المجتمع أو البلد قد صار ديمقراطيا أو أن "الدولة" بمعناها فى القانون الدولى (ودعك من المفهوم العلمى الاجتماعى للدولة ووظيفتها فى مجال العلاقة بين طبقات المجتمع) قد صارت ديمقراطية. فالمجتمع الطبقى لا يكون ديمقراطيا كما أن الدولة التى هى أداة فى أيدى الطبقة الاستغلالية الحاكمة لا يمكن أن تكون ديمقراطية، بل لا مناص من أن يكون هذا المجتمع ديكتاتوريا ولا مناص من أن تكون هذه الدولة ديكتاتورية. وتعنى الديمقراطية من أسفل أو الديمقراطية ببساطة أدوات النضال التى صار الشعب يمتلكها، والحقوق والحريات التى انتزعها وصار يمارسها، والإطار العام الديمقراطى الذى صار يفرضه على الطبقة الحاكمة ودولتها ونظامها وتنظيمها للمجتمع. وتتمثل مكوِّنات الديمقراطية من أسفل فى الأحزاب المتعددة المستقلة عن سلطة ونظام ودولة الطبقة الحاكمة، هذه الأحزاب التى تفرض التعددية الحقيقية على البلاد، وتتمثل فى النقابات العمالية والمهنية المستقلة التى تدافع بفعالية عن حقوق وحريات الطبقات الشعبية فلا تمثل نفوذ السلطة الحاكمة على هذه الطبقات، وتتمثل فى مختلف أشكال جمعيات المنتجين الصغار واتحادات المستهلكين، وتتمثل فى الصحافة الحرة التابعة للأحزاب والنقابات ومختلف الجماعات التى تنتمى إلى الطبقات الشعبية من العمال والفلاحين وفقراء الريف والمدينة، وتتمثل فى استقلال القضاء والتحقيق الفعلى لكل المطالب العادلة للقضاء الجالس والقضاء الواقف وتمتع المواطنين جميعا بالتقاضى أمام قاضيهم الطبيعى بعيدا عن القضاء الاستثنائى والعسكرى، وتتمثل فى انتزاع مكاسب عينية كبرى مثل التحقيق الفعلى للحد الأدنى العادل للأجور المربوطة بتطور الأسعار وتحسين شروط العمل وبدلات البطالة للعمال ولكل العاملين، ومثل التحقيق الفعلى لمطالب الفلاحين المتعلقة بالجوع إلى الأرض وبالأسعار المجزية وبمختلف صور تطوير نوعية حياة الفلاحين، ومثل التحقيق الفعلى للرعاية الصحية المتكاملة والشاملة والتأمين الشامل وتطوير المستشفيات والحل الجذرى لمشكلات الأطباء وباقى العاملين فى المجال الطبى والصحى من حيث الأجور وتحسين شروط وأوضاع العمل، وتتمثل مكوِّنات الديمقراطية من أسفل فى التطوير الجذرى للتعليم بكل مراحله وتحقيق مجانيته الكاملة وإنصاف المعلمين بمرتبات مجزية مربوطة مثل كل أجور العاملين فى البلاد بالأسعار، وتقتضى الديمقراطية من أسفل التحقيق الدستورى والفعلى للمساواة بين المواطنين دون تمييز بسبب الدين أو المعتقد أو اللون أو الإثنية، وكذلك التحقيق الفعلى لتضمين كل الحقوق والحريات المنتزعة فى الدستور بصياغات واضحة قاطعة حاسمة لا يجرى تقييدها بقوانين، مع إعادة صياغة القوانين كإطار عام يعكس قدرة الديمقراطية من أسفل، عن طريق نضالاتها المتواصلة، على فرض السيادة الفعلية للقانون. وبالطبع فإن مهام خلق وحراسة الديمقراطية من أسفل ضخمة هائلة وهى تحتاج إلى كل طاقات الثورة التى لا ينبغى تبديدها فى سبيل پرلمانات ورئاسات عبثية أصلا ولا طائل تحتها. ومن البديهى أنه بقدر ما يتم النجاح فى إجبار السلطات المعنية الحالية والقادمة على التحقيق الفعلى لمطالب الثورة سيجرى تأمين أن تسير الحياة الطبيعية وكذلك الإنتاج وإعادة البناء بصورة طبيعية جنبا إلى جنب مع تطورات الثورة التى لا تريد الفوضى ولا تعمل على تعطيل الحياة بكل مقتضياتها وضروراتها بل تعمل على إنصاف الشعب من خلال انتزاع حقوقه وحرياته وأدوات نضاله فى سبيل التطلع ليس فقط إلى حياة كريمة بل كذلك إلى تصنيع البلاد وتحديثها على قدم وساق كشرط لإنقاذها من المصير البائس الذى ظلت تتجه إليه، مع العالم الثالث كله، بسرعة مخيفة وللتحقيق الفعلى للاستقلال الذى هو نقيض التبعية الحالية للرأسمالية العالمية.

ليست هناك تعليقات: