الاثنين، 30 يوليو 2012

انفراد تاريخي المذكرات السرية لرئيس جهاز مخابرات الإخوان

نقدم في السطور القادمة الحلقة الأولي من مذكرات مؤسس جهاز مخابرات الإخوان الدكتور محمود عساف.
بسم الله الرحمن الرحيم «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضي نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا».. صدق الله العظيم.

في جلسة هادئة في منزل ابنتي في مدينة برلين يوم 16/8/1992 بدأت تنظيم أفكاري حول هذا الكتاب وتسطيرها.. فقد طلب إلي كثير من الإخوان في مصر والبلاد العربية منذ سنوات أن أكتب ذكرياتي مع الإمام الشهيد حسن البنا، لما يعلموه من عمق الصلة بينه وبيني، وملازمتي له في فترة تعد من أخطر الفترات التي مرت بها الدعوة الإسلامية متمثلة في الإخوان المسلمين، فكراً وسلوكاً وعملاً، حيث كنت أعمل أميناً للمعلومات عنده، متطوعاً بغير أجر كما هو شأن الإخوان جميعاً.. إلا القليل ممن تفرغوا للعمل معه وكان لابد من حصولهم علي أجر.

أردت بهذه الذكريات أن أبين لجيل اليوم من الشباب الفائر الثائر، الذي لم يجد ما يملأ به فراغه الروحي والنفسي، فاستجاب -عن جهل وحُسن نية- إلي دعاوي باطلة وتأويلات خاطئة وأفكار هدامة، ملأ أذهانهم بها متعصبون ومتطرفون ليسوا من الإسلام الذي تعلمناه علي يد حسن البنا في شيء، ذلك الإسلام الحق الذي نادي به رسول الله صلي الله عليه وسلم.

أردت أن أقدم كذلك لهذا الجيل: حسن البنا الذي ظلمه التاريخ الحديث، فأهمل ذكره تحت ضغوط العلمانيين وأصحاب الأفكار الهدامة ممن لايزالون يسيطر بعضهم علي وسائل الإعلام في العالم العربي والإسلامي.

أقدم شخصيته وأفكاره من خلال أحداث قصيرة متفرقة، يتلمسها القارئ دون أن أنبهه إليها.

لم يكن حسن البنا مجرد داعية إسلامي يدعو إلي السلفية فحسب، بل كان مؤسس أمة متآلفة متآخية، مقتفيا خطي رسول الله صلي الله عليه وسلم عندما أسس أمة المسلمين في المدينة علي أنقاض جاهلية عقيمة ممقوتة.

فإلي هؤلاء الذين تلقوا تعاليم الإسلام بطريقة خاطئة ومغرضة، واقتفوا أثر ما أشيع عن النظام الخاص للإخوان المسلمين من إرهاب نسب إلي النظام زوراً..

إلي أولئك الذين نسوا قول الله تعالي: «ادع إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن.....».

إلي الذين يهاجمون دعوة الإخوان عن جهل أو سوء قصد.. وإلي الذين يهاجمون السلفية وهم لا يعرفون معناها.. والذين يريدون أن يحرموا الدعاة إلي الإسلام من العمل بالسياسة، في حين أن السياسة بمعني شئون الوطن، لابد أن تكون في أولي اهتمامات كل مواطن.

إلي الذين اخترعوا عبارة «الإسلام السياسي» ليتهموا الإسلاميين باستغلال الدين لصالح السياسة، وهم لا يعلمون أن الإسلام دين ودولة وعبادة وحياة.

إلي الذين يعيبون علي الإخوان مطالبتهم بتطبيق شريعة الله التي أنزل في كتبه السماوية وكانت أساساً قامت عليه الدولة الإسلامية في أزهي عصورها.

إلي الذين يعتقدون أن تطبيق الشريعة يسلب غير المسلمين شيئاً من حقوقهم التي كفلها لهم الإسلام.

إلي الذين يعتبرون الأصولية علي سبة جبين الإسلاميين، وتناسوا أن معني الأصولية في الإسلام هي العودة للقرآن والسنة، وتأثروا بالفكر الغربي الذي يعتبر الأصولية تطرفاً مستمدين ذلك من سلوك راسبوتين ومحاكم التفتيش.

وإلي أولئك الذين يتظاهرون بالعمل علي نشر دعوة الإسلام وهم لا يفقهون أصولها وفلسفتها.. وإلي المؤرخين والأدباء الذين أهملوا حسن البنا وأثره في تاريخ الإسلام الحديث وتناسوا ذكره.

لكل هؤلاء وأولئك أقدم كتابي هذا لعلنا نفهم مبادئ حسن البنا مجسدة في فكره وشخصيته.

ولقد بدأت كتابي هذا مسجلاً بعض أحداث الفترة التي عايشت فيها الإمام الشهيد سواء قبل حل الجماعة علي يد الحزب السعدي، أو أثناء اعتقالات عام 1948/1949، وأوضحت ماللنظام الخاص للإخوان المسلمين وما عليه، مبيناً الفلسفة التي قام عليها والهدف من إنشائه، من خلال قصص قصيرة وأحداث مازال النظام يهاجم من خلالها، ثم بينت ما خفي علي الجيل الحالي من أمور تتعلق بصحافة الإخوان، ثم أوضحت بعض ما لا يعرفه جيل اليوم من فكر الإمام الشهيد، وأتبعت ذلك ببعض الذكريات عما حدث معي بعد الإمام الشهيد، والتي كنت أتمثل خلقه وسلوكه وأطبق تعليماته أثناءها، وأنهيت الكتاب بذكريات ما قبل معرفتي بالإخوان، وما كان ينتابني وينتاب غيري من الشباب من ملل مبعثه الفراغ الديني والنفسي.

اسأل الله أن يثيبنا علي قدر نياتنا، وأن ينفعنا وينفع بنا أمة الإسلام وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.

المؤلف

مارس 1993

الباب الأول

كنت معه

قال اللواء كمال عبدالرازق وهو علي فراش الموت بمستشفي العجوزة لصديق له جالس إلي جوار فراشه، وذلك عندما رآني أدخل عليه زائراً:

«ما من مرة ذهبنا ونحن طلاب بكلية البوليس للالتقاء بالإمام الشهيد إلا ووجدنا محمود عساف معه».

وقال الأستاذ سيف الإسلام البنا يقدمني إلي رئيس الجماعة الإسلامية «وهي حزب كبير في باكستان» الدكتور محمود عساف كان الوالد يحبه كثيراً».

سكرتير السفارة الأمريكية

فيليب أيرلاند، السكرتير الأول للسفارة الأمريكية أرسل مبعوثاً من قبله للأستاذ الإمام كي يحدد له موعداً لمقابلته بدار الإخوان، وافق الأستاذ علي المقابلة ولكنه فضل أن تكون في بيت أيرلاند حيث إن المركز العام مراقب من القلم السياسي، وسوف يؤولون تلك المقابلة ويفسرونها تفسيراً مغلوطاً ليس في صالح الإخوان.

اصطحبني الأستاذ معه كما اصطحب الأخ محمد الحلوجي الذي كان مترجما فوريا ممتازاً وذهبنا إلي دار أيرلاند في شقة عليا بعمارة بالزمالك.

وبعد التحيات دخل أيرلاند في الموضوع فقال بلغة عربية سليمة جعلت الأخ الحلوجي يجلس مستمعا فقط: إن موقفكم من الشيوعية معروف لنا ولقد عبرتم كثيراً عن أن الشيوعية الحاد يجب محاربته وأطلعت علي مقال في جريدتكم اليومية يهاجم الشيوعية باعتبارها مذهبا هداما يحرض علي الثورة المسلحة وتلك هي سبيل الشيوعيين في كل مكان، وطريقهم معروف وهو نشر الإباحية التي تستهوي كثيراً من الشباب، ولقد قلتم في تصريحاتكم العلنية إن الحل لتلافي أخطار الفكر الشيوعي المنحرف هو الإصلاح الاقتصادي وتحديد الملكية الزراعية وزيادة الإنتاج القومي والعودة إلي تعاليم الإسلام، وأن الأساليب البوليسية لن تجدي في محاربة الشيوعية، بل ستزيد الشيوعيين اصراراً وتجعل الناس يتعاطفون معهم باعتبارهم معتدي عليهم.

قال الإمام: إن الشيوعية التي بدأت تنتشر في بلادنا العربية تعتبر خطراً كبيراً علي شعوب المنطقة شأنها في ذلك شأن الصهيونية بل هي أخطر في المدي القريب ولدينا معلومات كثيرة عن التنظيمات الشيوعية في مصر.

قال أيرلاند: لقد طلبت مقابلتكم حيث خطرت لي فكرة وهي لماذا لا يتم التعاون بيننا وبينكم في محاربة هذا العدو المشترك وهو الشيوعية؟

أنتم برجالكم ومعلوماتكم ونحن بمعلوماتنا وأموالنا.

قال الإمام: فكرة التعاون فكرة جيدة غير أن الأموال لا محل لها لأننا ندافع عن عقيدتنا ولا نتقاضي أجرا عن ذلك، غير أن هناك نقطة مهمة، وهي أنه إذا كانت مصلحتنا مشتركة في محاربة الشيوعية فإن أهدافنا مختلفة أنتم تحاربونها لأسباب مذهبية وسياسية، ونحن نحاربها لما فيها من إلحاد، ولكن لا مانع لدينا من مساعدتكم بأن نمدكم بالمعلومات المتوافرة عنها وحبذا لو فكرتم في إنشاء مكتب لمحاربة الشيوعية فحينئذ نستطيع أن نعيركم بعض رجالنا المتخصصين في هذا الأمر علي أن يكون ذلك بعيداً عنا بصفة رسمية ولكم أن تعاملوا هؤلاء الرجال بما ترونه ملائما دون تدخل من جانبنا غير التصريح لهم بالعمل معكم ولك أن تتصل بمحمود عساف فهو المختص بهذا الأمر إذا وافقتم علي هذه الفكرة، ويجرني هذا الموضوع إلي موضوع آخر، وهو أنكم تؤيدون الصهيونية وهذا أمر يوجد جفوة بيننا وبينكم وأنكم تظنون أن منحكم المال لبعض الأحزاب المصرية سيعينكم علي تحقيق مآربكم لهذا سأكون صريحا معك نحن لاتهمنا أموالكم ولا نتقاضي أجرا من أحد عندما نعمل لصالح دعوتنا.

وانفض الاجتماع ولم يتصل بي أيرلاند أو غيره بعد ذلك من طرف السفارة الأمريكية.

ملحوظة: وردت هذه الواقعة في كتاب الأستاذ محسن محمد «من قتل حسن البنا» نقلا عن الخطابات المتبادلة بين السفارة والخارجية الأمريكية والتي أفرج عنها بعد مرور المدة المقررة ولكن بطريقة مغلوطة باعتبار أن الإمام البنا هو الذي سعي إلي تلك المقابلة وهذا غير صحيح.

جواسيس الملك

كان للملك أكثر من مكتب للمخابرات الخاصة به، علاوة علي الأجهزة الرسمية التي كانت تمده بالمعلومات كالمخابرات العامة والمخابرات العسكرية والقلم السياسي ومباحث وزارة الداخلية.

وكان من دأبه أن يجمع البيانات من كل مصدر ليقارنها ببيانات المصدر الآخر، ويتولي هذه المقارنة سمير بك ذو الفقار من عائلة ذو الفقار أخوال الملكة نازلي إلي جانب الجهاز الذي كان يشرف عليه شخصيا.

كان سمير بك ذو الفقار رئيسا لمجلس إدارة محلات ريفولي للهدايا ويعمل معه في مجلس الإدارة مجموعة من الألمان، وتعرفت به في زيارة لي لمحلات ريفولي وعرفته بشركة الإعلانات العربية التي أديرها وطلبت منه أن يزورها ولم تمض أيام حتي حضر إلي زيارتي وأبدي إعجابه الشديد بها وبجهود الشباب من الإخوان الذين اقتحموا ميدان الإعلان الذي كان قاصراً علي الأجانب واليهود ونشأت بيني وبينه صداقة حيث كان رجلا وطنيا متحمسا.

وعندما قررت حكومة النقراشي حل الإخوان المسلمين استجابة لتعليمات الملك والإنجليز، كان الإمام حسن البنا حريصاً علي مقابلة الملك فاروق بأي وسيلة ولو في السر، وقال لي إنه إذا تيسر له مقابلة الملك فإنه قادر بعون الله تعالي علي قلب الميزان المعوج وجعله في صالح دعوة الإخوان.

عرضت عليه أن يتقابل مع سمير بك ذو الفقار، لأنه القادر في ذلك الوقت علي تدبير اللقاء الخاص، ورتبت موعدا في مكتبي بشركة الإعلانات العربية وحضر الأستاذ الإمام في الموعد كما حضر سمير بك ذوالفقار كذلك عرفتهما ببعضهما، ثم تركتهما يتحدثان بحرية وخرجت من الغرفة بعد أن انتهي اجتماعهما عدت إليهما، فوجدت عيني سمير بك مغرورقة بالدموع وانصرف واعدا الأستاذ بأنه سيعمل كل ما في وسعه لكي تتم المقابلة المنشودة.

ولكن للأسف كانت الأحداث أسرع مما هو متوقع وصدر قرار حل الإخوان بعد يومين من هذا اللقاء.

المكتب الآخر الذي كان يعمل في خدمة مخابرات الملك، كانت تديره السيدة سنية قراعة التي ذهبت بشجاعة إلي دار الإخوان المسلمين وطلبت مقابلة الإمام فأذن لها ثم اتصل بي هاتفيا وطلب مني الحضور إليه علي وجه السرعة وجدت السيدة سنية قد ارتدت ثوبا أبيض فضفاضا ووضعت علي رأسها مايشبه العمامة السماوية اللون وحجابا من ذات اللون.

قدمها الإمام لي وقال السيدة سنية مكلفة من السراي بجمع معلومات عن الإخوان وقد حضرت إلينا متفضلة لتتلقي المعلومات الحقيقية من مصدرها الأصلي ولهذا أريدك أن تكون علي صلة بها لتمدها بما تحتاج إليه من معلومات وسأقول لك ما تقوله لها فيما بعد.

كان غرض الإمام ألا تحضر السيدة سنية إلي دار الإخوان مرة أخري حيث إن باب الدار تحت الرقابة المستمرة ويمكن أن تؤول زيارتها للإمام تأويلات كثيرة، لهذا طلب مني أن أقابلها في مكتبي بشركة الإعلانات العربية أو بمكتبها في ميدان سليمان باشا.

حضرت السيدة سنية إلي مكتبي بعد ذلك بثلاثة أيام وكنت قد أعددت لها معلومات كافية عن الإخوان ودعوتهم وفكرهم وتشكيلاتهم وما يطالبون به من إصلاحات وأعطيتها تلك البيانات واتفقنا علي أن نلتقي المرة المقبلة في مكتبها.

كانت السيدة سنية تملك مكتبا للمعلومات الصحفية يشغل شقة واسعة في مبني كبير في ميدان سليمان باشا في مواجهة جروبي ذهبت إليه ودخلت من الباب لأجد ردهة كبريرة صفت علي جوانبها المقاعد والآرائك وعلي بعض المقاعد عدد من النساء الجالسات يتسامرن ويتضاحكن وهن عاريات الأذرع والاكتاف والسيقان سألتني واحدة: أي خدمة؟ فقلت لها: آسف لقد أخطأت العنوان.

وانصرفت ولم أعد للقائها بعد ذلك للغرض المتفق عليه والمرة الأخيرة التي رأيتها فيها كانت وأنا أعمل مديرا لشركة النصر للتصدير والاستيراد في عام 1968 حيث جاءت لزيارتي طالبة معاونتها بنشر إعلان عن الشركة في مجلة ألوان جديدة التي تصدرها والتي هددها زوجها اللواء الدكتور شهدي بأن تغلقها بسبب خسارتها اعتذرت لها عن عدم إمكانية النشر في المجلة، ثم سألتها عن أولئك النسوة اللاتي رأيتهن في ردهة مكتبها فقالت إنهن مندوبات أخبار صحفية وأنها لم تكن تدقق في مظهرهن وكان هدفها الأول الحصول بواسطتهن علي ما يلزم المكتب من معلومات صحفية ومعلومات أخري تهم السراي.

أما المكتب الثالث الذي كان يمد الملك بالمعلومات والأخبار فكان يديره الدكتور يوسف رشاد الذي سمعت عنه لأول مرة من تقرير مرفوع للإمام ومحال إلي للاختصاص حيث كان الدكتور يوسف بصحبة زوجته ناهد والملك والأميرة فوزية بعد طلاق الملكة فريدة علي يخت بالبحر الأحمر ونزل الأربعة علي شاطئ جزيرة صغيرة تسمي جزيرة الزمرد، حيث يعيش فيها أحد اليهود ومعه ابنته وعدد من العمال الذين يستخرجون الزمرد ويشحنه اليهودي ليبيعه خارج مصر.

وقد حدثت علي هذا اليخت مساخر كثيرة لا محل لذكرها هنا إلا أنه اتضح من التقرير المرفوع للإمام من أحد البحارة العاملين علي اليخت أن يوسف رشاد علي علاقة وثيقة جداً بالملك وأنه يدير جهازاً للمخابرات الخاصة به.

كان أنور السادات رحمة الله عليه حصيفا حيث كان علي علاقة طيبة قبل الثورة بيوسف رشاد، وكان يتلمس منه ما كان يعرفه الملك عن حركة الضباط الأحرار، كي يتخذ الضباط حذرهم عند اللزوم.

الإخوان والحزب السياسي

من حق كل مصري أن يعمل بالسياسة والسياسة التي أعنيها هي العمل الوطني وعلي ذلك فمن حق كل مصري أن يعمل لما فيه مصلحة الوطن أما السياسة بمعناها الحزبي أي مجموعات تلتقي حول أشخاص ببرامج هلامية غير معروفة المعالم فهذا يعني من وجهة نظري حربا بين فئات الشعب تدور حول مصالح كل فئة بل أحيانا مصالح أفراد في الفئة الواحدة.

لهذا كان للإمام الشهيد رأيه في العمل الحزبي وجه مرة خطابا مفتوحا إلي زعماء مصر علي صفحات جريدة الإخوان فقال: نحن معشر الإخوان المسلمين لن نقحم أنفسنا في مجموعكم «أي لن ننافسكم في العمل الحزبي» إن اجتمعتم وجاهدتهم ناصرناكم وإن آثرتم ممالأة الأعداء سنمضي في سبيل الله والوطن مستشهدين.

وكان الإنجليز ينظرون نحو اهتمام الإخوان بالسياسة، نظرة جادة حيث كانوا يرون في ذلك الوقت أن الإخوان هم القوة التي لا يمكن استمالتها بالترغيب أو التهديد علي خلاف من باقي الأحزاب وقالت جريدة التايمز البريطانية: «إن إحدي المجموعات الرئيسية المعارضة لبريطانيا في مصر الإخوان المسلمين وهم كما يقول مرشدهم العام ليسوا سياسيين بل هم ببساطة وطنيون يعملون لخير مصر.

ويقول الإمام الشهيد تحت عنوان وطنية الحزبية «في رسالة دعوتنا»: إن كانوا يريدون بالوطنية تقسيم الأمة إلي طوائف تتناحر وتتضاغن وتتراشق بالسباب.. فتلك وطنية زائفة لا خير فيها.

ويقول في رسالة «مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي» عن الأحزاب المصرية: «لقد انعقد الإجماع علي أن الأحزاب المصرية هي سيئة هذا الوطن الكبري وهي أساس الفساد الاجتماعي.. وهي ليست أحزابا حقيقية بالمعني الذي تعرف به الأحزاب في بلاد الدنيا.. بل هي سلسلة من الانشقاقات والخلافات الشخصية.

لهذا فقد طالب في ذات الرسالة بحل الأحزاب المصرية المفروضة علي هذا الشعب الطيب.

سألته ذات مرة لماذا لا تكون حزبا سياسيا كباقي الأحزاب وندخل الانتخابات ببرامج مثلهم؟ فقال نحن دعوة ولسنا جمعية ولا هيئة ولا حزبا.. ندعو إلي الله وإلي تعاليم الإسلام وتطبيق شريعته، وقد تتفق الأحزاب الأخري معنا في هذا الاتجاه وقد تختلف فمن اتفق معنا صار صديقا لنا ومن اختلف فعقابه عند الله نحن أكبر من الأحزاب، الأحزاب هدفها الوصول إلي الحكم أما نحن فإننا نبغي حكم الإسلام حتي ولو كان بواسطة غيرنا يمكن للوفدي أن يكون من الإخوان إلي حين أي إلي أن يتبين له فساد النظام الحزبي وكذلك باقي أعضاء الأحزاب هؤلاء الأعضاء- لا أقول الزعماء، لاشك وطنيون ولكن وطنيتهم قاصرة علي مصر يهتمون بالاستقلال وطرد المستعمر وإصلاح الدستور وما إلي ذلك، أما نحن فدعوة وطنية إسلامية لها الصبغة العالمية وإن كان من اهتماماتنا الأولي إصلاح الأحوال في مصر فإنما ذلك لأن مصر هي قلب العالم الإسلامي النابض والكل يقتدي بها.

عجبت لانضمام الإخوان إلي حزب العمل فإن هذا الذوبان في حزب يعكس مسار الدعوة إلي الوراء وعجبت أكثر حينما تقدموا بطلب لتشكيل حزب سياسي وحمدت الله أن رفضته لجنة الأحزاب، بالرغم من أني لا أتفق معها في سبب الرفض وهو أن الحزب ديني النزعة ففي ألمانيا الحزب الديمقراطي المسيحي، وإسرائيل مليئة بالأحزاب الدينية ولكنني فرحت لأن اللجنة حالت دون انحراف الإخوان عن أساس دعوتهم التي هي دعوة الإسلام.

الإخوان والشيوعيون

مساكين هؤلاء الشيوعيون أخذوا الشيوعية عن مفكرين نشأوا في مجتمعات يحكمها رجال الدين المسيحي مثل راسبوتين في روسيا الذي كانت له سيطرة كاملة علي القيصرة كاترين ومثل رجال محاكم التفتيش وكلهم من رجال الدين المسيحي الذين كانوا يحكمون علي كل من هو مسيحي غير كاثوليكي بالكفر ويعذبونه عذابا إليما إلي أن يعتنق الكثلكة، ورجال الدين في فرنسا الذين كانوا يمثلون طبقة تلي طبقة النبلاء في الجاه والنفوذ والحكم.

ولو أن جوزيف ستالين كان يعرف شيئاً عن الإسلام لما قال إن الدين أفيون الشعوب لقد قالها لأن الإنجيل يأمر بالتسامح والغفران فإذا ضربك أحدهم علي خدك الأيمن فأدر له الأيسر منتهي التسامح الذي لا يفهمه ولا يعيه أهل عصرنا هذا لم يعرف جوزيف ستالين أن الإسلام كتب في التوراة أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص «المائدة 45» فذلك حكم الله وعلينا أن نتبعه.

كان لي زميل في وزارة التجارة عام 1944 اسمه عمر أبوالفضل وكان قد سبقني في التخرج في كلية التجارة بسنة وكان العمل الموكل إلينا ضئيلاً حيث نقل اختصاصه إلي وزارة التموين ولم يعطونا بعده عملا آخر فكنا نقضي الوقت في المناقشات هو شيوعي وأنا من الإخوان وكان من المستحيل أن نلتقي علي فكر واحد وكان يتردد عليه بعض قادة الشيوعيين مثل أحمد الخشاب وعبدالمعبود الجبيلي «الذي صار في عهد عبدالناصر وزيراً للبحث العلمي» من زعماء «حدتو» وهي منظمة شيوعية اسمها الحركة الديمقراطية للتحرير الوطني، وما أكثر الحركات الشيوعية التي كانت قائمة في ذلك الوقت فبعضهم كان لينينيا والبعض تروتسكيا، وكانت العداوة شديدة بين الطرفين وأشد ما كان يميزهم جميعا في ذلك الوقت ويتفقون عليه هو أن محاربة اليهود في فلسطين أمر غير جائز وأن التقسيم ينبغي أن يكون ولا عجب في هذا فقد كان رأس الحركة كلها هنري كوربيل المليونير اليهودي.

كان عمر أبوالفضل يقول: لنا برنامج إصلاحي اقتصادي فهل لكم برنامج؟ سألت الإمام الشهيد عن ذلك حيث كان الأمر يؤرقني كثيراً فقال: إن برنامجنا الاقتصادي هو ما يقضي به الإسلام وهو العدل والعدل يمكن أن يتحقق في الشيوعية وفي الرأسمالية علي السواء لذلك فإن المذاهب السياسية لاتعنينا ويمكن أن يطبق الإسلام في ظل نظام اشتراكي يقوم علي العدل كما يمكن أن يطبق في نظام رأسمالي يتوخي العدل ونحن لا نسبق الظروف وحينما يحين الوقت الملائم الذي لابد أن نقدم فيه برنامجنا فسنعمل.

هناك مثلاً: الملكية الزراعية التي ينبغي تحديدها وهناك الفرص التي يجب أن تمنح للناس للعلم والتملك والعمل بحيث تكون متكافئة وهناك الألقاب التي ينبغي أن تلغي فالناس سواسية كأسنان المشط.

ملحوظة: يقول خالد محيي الدين في مذكراته التي نشرت منذ أيام انه انضم للإخوان مع عبدالناصر ثم لم يجد عندهم برنامجا فانضم إلي الشيوعيين لذلك السبب.

اشتد موقف الشيوعيين ضدنا وهاجمونا في نشراتهم الأمر الذي دفعنا في عام 1946 إلي أن نزرع عندهم أحد المتعاطفين مع الإخوان«هو الآن أستاذ جامعي» وكان يتقاضي مني خمسة جنيهات شهريا نظير أن يمدنا بأخبار الشيوعيين ما كان يصلح منها للنشر في مجلة الكشكول الجديد- التي كنت صاحبها- نشرناه ومثال ذلك المساخر التي كان تحدث في فيلا لهم بشارع قصر العيني ويجتمع فيها الأولاد والبنات يسكرون ويعرون أما الأخبار الأخري فكنا نعرض مايهم الدعوة منها علي الإمام الشهيد، والباقي كنا نخطر به مدير الأمن العام فوكيل الداخلية المرحوم أحمد مرتضي المراغي، الذي حاول أن يعرف مني مصدري في هذه الأخبار ولكن هيهات.

مع رجال السياسة

من أهم رجال السياسة الذين اجتمع بهم الإمام الشهيد قبيل حل الإخوان حافظ رمضان باشا وإسماعيل صدقي باشا.

مع حافظ رمضان

كان حافظ رمضان رئيساً للحزب الوطني خلفا لمحمد فريد وكان صديقا شخصياً للإمام شأنه في ذلك شأن صالح حرب «باشا» رئيس جمعية الشبان المسلمين وأعضاء الحزب الوطني وأعضاء الجمعية فقد كان الجميع وطنيين يعملون لصالح مصر.

بعث إلي الإمام بورقة صغيرة مع رسول وأنا في شركة الإعلانات العربية يقول فيها إن حافظ باشا سيأتي إلي مكتبي في الساعة العاشرة والنصف للالتقاء به عندي.

أعددت المكتب لهذا اللقاء وقبل الموعد بخمس دقائق حضر حافظ باشا، وجلس ينتظر الإمام، حيث كان الإمام دقيقا في مواعيده لا يتقدم عليها ولا يتأخر عنها.

أخذ حافظ باشا يحكي لي نادرة حصلت له في صباح ذلك اليوم، فقال إنه توجه للنادي «نادي التحرير حاليا، وكان أعضاؤه قبل الثورة من أصحاب الألقاب والوزراء السابقين وكبار الأعيان» وطلب كوبا من الليمون قال له الخادم «الجرسون»: لا مؤاخذة يا باشا لقد صدر قرار بالأمس بأن يكون سداد المشروبات نقداً ثم علق علي ذلك قائلاً: أنا لا أحمل معي أي نقود وكان النادي معتاداً علي قيد المشروبات علي حساب كل عضو ثم يطالبه برصيده في نهاية كل شهر ثم قال أخرجت دفتر الشيكات من جيبي وكتبت لهم شيكا بثلاثين مليما ثم ضحك كثيراً.

عندما حضر الأستاذ الإمام تركت لهما غرفة مكتبي وجلست في غرفة حسام لطفي سكرتيري الخاص وبعد نصف ساعة دققت الباب مستأذنا وفتحته لكي أسألهما إن كان يبغيان شيئاً، فوجدت حافظ باشا ممسكا رأس الإمام بيديه ويقول مخ كبير-- مخ كبير.

علمت فيما بعد أن المقابلة كانت بشأن انسحاب الإخوان من اللجنة العليا للطلبة، التي بدأ الشيوعيون يتسللون إليها ويحاولون مع الوفديين السيطرة عليها.

مع إسماعيل صدقي:

عندما كلف إسماعيل صدقي بتشكيل الوزارة في عام 1946 أخذ يبحث عمن يؤيده شعبيا فلم يجد أحدا وكان رجلا ذكيا فحاول أن يطوي الإخوان المسلمين بما لهم من شعبية تحت جناحه.. زار إبراهيم رشيد زوج ابنة إسماعيل صدقي الأستاذ الإمام طالبا تحديد موعد في ذات اليوم، ليستقبل فيه الإمام إسماعيل صدقي، بمكتبه بالمركز العام وتم تحديد الموعد في الساعة الحادية عشرة صباحاً بعد أن استشار الإمام أعضاء مكتب الإرشاد تليفونيا.

هاج الإخوان وماجوا لما علموا أن إسماعيل صدقي كان في زيارة الإمام ذلك بسبب ما هو معروف عنه من أنه لا شعبية له وأنه ديكتاتوري الطبع كاره للجماهير ويسميهم الغوغاء.

قال الإمام لإسماعيل صدقي إن تاريخه السياسي لا يشجع للتعامل معه بيد أن الإخوان لا يفقدون الأمل وعد إسماعيل صدقي بتلبية مطالب الإخوان وكلها مطالب وطنية تتضمن مقاومة الاستعمار إلي أن يقضي عليه وتعديل الدستور بما يتفق مع الديمقراطية والسماح للإخوان بالنشاط بغير قيد وإقامة انتخابات نزيهة.. الخ.

قال إسماعيل صدقي: تستطيع أن تتقدم بهذه المطالب من خلال مجلس الوزراء وأنت وزير للأوقاف.

فهم الإمام من هذا أن صدقي يعرض عليه الوزارة فقال سنفكر في الأمر.

في المساء وأثناء سيرنا من المركز العام إلي منزله سألت الإمام عن حقيقة ما يشاع حول قبولنا الوزارة فقال ما رأيك أنت؟ قلت: لا بأس فهي خطوة علي الطريق غير أن وزارة الأوقاف ليست من مقامنا ونحن القوة الشعبية الوحيدة التي يستند إليها إسماعيل صدقي فحبذا لو كانت وزارة المالية مثلا أو إحدي وزارات الدرجة الأولي أما الأوقاف فهي وزارة من الدرجة الثالثة «لكي ترفع درجة هذه الوزارة ضم إليها اختصاص شئون الأزهر بعد ذلك».

ضحك الإمام وقال نحن رجال دعوة ولسنا رجال حكم ألا تعلم أن وزارة الأوقاف تسيطر علي ما يقرب من عشرة آلاف خطيب مسجد إن هؤلاء سوف يكونون لسانا للدعوة في كل مكان إذا تولينا وزارة الأوقاف لا للحكم من خلالها ولكن لنشر دعوتنا التي هي دعوة الإسلام، بعد أيام شكلت الوزارة ولم يكن الإمام من بين أعضائها وكانت تلك رحمة من الله حيث حفظت لنا الدعوة وتقاوة سمعة الإمام الذي كنا نخشي أن يستغرقه الحكم عن العمل لها، والله لطيف بعباده.

الإخوان ومصر الفتاة

اتخذت جمعية مصر الفتاة مقرا لها قريبا من دار الإخوان المسلمين وكانت هذه الجمعية تقلد جمعية إيطاليا الفتاة، واتخذت لها شعارا هو «مصر فوق الجميع» مثلما اتخذت الجمعية الإيطالية شعاراً هو «إيطاليا فوق الجميع».

وكان أحمد حسين رئيس الجمعية رجلا وطنيا يتفجر حماسا وحبا لمصر، ولهذا كان تأثيره بالغا علي أتباعه.

وكان هناك شبه تفاهم بين الإخوان ومصر الفتاة فالاثنان يعملان من أجل مصر والاثنان يعاديان الاستعمار والاثنان يشجبان تعاون معظم الباشوات المصريين مع السفارة البريطانية ويعملون علي كسب رضاها.. طبعا علي حساب مصلحة مصر.

غير أن مصر الفتاة لم تتسم بوحدة القيادة- مثلما هو حالها الآن- وكان زعماؤها يعمل كل منهم منفرداً وفقا لما يراه صوابا من وجهة نظره.

ونفاجأ في يوم من الأيام بمقال في مجلة مصر الفتاة يقول فيه محرره: حانت خاتمة الدجل والشعوذة.. الإخوان يتعاونون مع كل الأحزاب بلا مبدأ ويتحالفون مع الكل حتي الإنجليز الذين يسخرونهم لمحاربة الشيوعية والوطنية ويفتحون لهم الشعب في السودان وفلسطين.. الخ، ويبدو أن كاتب هذا المقال كان شيوعيا.

طبعاً ذلك كله كان افتراء، وإن نم عن شيء فإنما ينم عن غيرة وحقد علي الإخوان لذيوع انتشارهم السريع وإقبال الشباب علي الانخراط بجوالة الإخوان وعزوفهم عن القمصان الخضر التابعين لمصر الفتاة ولست أدري إن كان ذلك المقال بإيعاز من أحمد حسين أم أن كاتبه كان نشازا علي سياسة الجمعية «لم تكن قد سميت بحزب حتي ذلك الوقت».

وجدنا أنه من بعد النظر أن نعلم ماذا يدور في أدمغة قادة مصر الفتاة، فكلفنا أحد الإخوان بالانخراط في الجمعية هو المرحوم أسعد السيد الذي انضم إليها وبرز فيها سريعا لما كان له من نشاط.

بعد انضمامه بحوالي ثلاثة شهور، جاءني علي استحياء وقال لي هؤلاء الناس وطنيون ويعملون لصالح مصر، ولا يتلقون تمويلا أو مساعدة من الخارج وأحس أن ضميري يؤنبني لأنهم قوم مسلمون فيهم فتحي رضوان وإبراهيم شكري ومحمد علي صبيح وحمادة الناحل وآخرون وإذا ما حاولت التعرف علي أخبارهم فإنني أكون قد خالفت أوامر الله التي تقول: «ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً».

قلت: يا أسعد مادمت مقتنعا بهم فاذهب وأعمل معهم بإخلاص ويبدو أنه لا تعارض بينا للعمل معهم في النشاط الوطني وبين العمل علي نشر دعوة الإسلام من خلال الإخوان المسلمين ففرح أسعد وبدأ يزيد نشاطه في حزب مصر الفتاة إلي أن وصل لعضوية مجلس الإدارة بعد اعتقالات الإخوان في ديسمبر 1948، والتحقيق مع بعض أعضاء النظام الخاص جاء ذكر أسعد السيد أحمد في التحقيقات وعلم بذلك أعضاء مصر الفتاة فاعتدوا عليه بالضرب ظنا منهم أنه عين عليهم وأشهد الله أنه كان يعمل معهم مخلصا في ذلك الوقت وبخاصة بعد أن حضر مؤتمراً عقده أحمد حسين عند سفح الهرم الأكبر معاهدا تابعيه علي العمل علي نصرة مصر.

الإخوان المسيحيون

انتشر الإخوان في الأربعينيات وبلغ عددهم ما يزيد علي 600 ألف وذلك بشهادة السفارة البريطانية وانتشرت الدعوة في سوريا والعراق والمغرب العربي والسودان فكان رئيس الإخوان في سوريا الدكتور مصطفي السباعي وهو فقيه وداعية من الطراز الأول، وفي العراق الشيخ محمد محمود الصواف «عضو مجمع الفقة الإسلامي بمكة المكرمة وتوفي إلي رحمة الله حديثا» وفي المغرب الأستاذ الفضيل الورتلاني وفي السودان الأستاذ جمال السنهوري «وكان طالبا وقتذاك بحقوق القاهرة».

وعرف عن الإخوان السماحة وعدم التعصب بل كان لي ولغيري أصدقاء من المسيحيين كنت ومازالت اعتز بصداقتهم حتي الآن.

وبعد المحاضرة التي ألقاها الأستاذ الإمام ببني سويف والتي أطفأ بها الفتنة التي اشتعلت هناك بين المسلمين والمسيحيين والتي شرح فيها الإمام دعوة الإسلام وأوضح فيها ما تتصف به الدعوة من سماحة وأن المسيحيين إخوة لهم مالنا وعليهم ما علينا وأنهم باعتبارهم أهل الذمة فهم في ذمة المسلمين وعلي المسلمين رعايتهم والدفاع عنهم.

وأشار إلي ما يكنه الإسلام للمسيحيين من مودة وذكر الآيات التي تمجد عيسي بن مريم وأمه العذراء أخذ الإمام يخطب ساعتين وكنت حاضراً معه لدرجة أن قسيسا انجيليا كان يجلس في مواجهته ودموعه تنساب من عينيه مالبث حين انتهي الأستاذ من حديثه أن قام له معانقا بشدة.

بعد هذه المحاضرة التي رتب لها الأخ أحمد البساطي رئيس الإخوان وعقدها في نادي البلدية وحضرها سكان بني سويف جميعا علي وجه التقريب حضر لزيارة الأستاذ بالمركز العام عدد من قادة المسيحيين أذكر منهم توفيق «أو وهيب لا أذكر» دوش باشا ولويس فانوس ومريت بطرس غالي عضوا مجلس الشيوخ وطلبوا من الإمام أن ينشئ شعبة باسم «الإخوان المسيحيون» لكي يسهموا مع الإخوان المسلمين في نشر الإيمان بالله والحث علي الفضائل رد عليهم الإمام بأن الفكرة طيبة ولكن يحول دون تنفيذها أن دعوتنا عالمية ولا تقتصر علي مصر وحدها وأن نشاطنا في مصر لا يعدو أن يكون جزءاً من نشاط الإخوان المسلمين العالمي، فقد أرسل الله نبيه صلي الله عليه وسلم للناس كافة، وعلي هذا لا بأس من تكوين الإخوان المسيحيين وأؤكد لكم أنه سيكون هناك تعاون تام بيننا وبينكم في جميع مجالات عمل الخير والدعوة إلي مكارم الأخلاق ومقاومة الالحاد الذي بدأ ينتشر بين شباب المتعلمين.

نشرت مجلة المصور في ذلك الوقت أن شخصيات غير إسلامية بارزة انضمت إلي الإخوان المسلمين ومن بينهم لويس فانوس ومريت بطرس غالي.

بلغ هذا الموضوع مسامع الإنجليز فأرادوا أن يطوعوا هذه الفرصة لمصالحهم فأنشأوا جمعية باسم «إخوان الحرية» اتخذت مقرا لها في حي «السيدة زينب» ويرأسها المستر فاي- الذي كان مدرسا لي بكلية التجارة واختفي عند قيام الحرب العالمية الثانية عام 1939 ثم شهر في عام 1942 ليقود هذه الجماعة المشبوهة التي حاولت تجنيد عدد من المسلمين والمسيحيين تحت شعار «الدين لله والوطن للجميع» وطبعا لم يكن الإنجليز حريصين علي هذا الوطن بل كانوا يحاولون كسر شوكة حسن البنا وإخوانه ولكن هيهات، فقد فشلت جمعيتهم فشلا ذريعا لأنها لم تضم بين ظهرانيها إلا كل انتهازي وأفاق، وتلاشت كما يتلاشي الدخان في الهواء مع تلاشي المال الذي كان مخصصا لها.

الجواسيس

كان بعض الإخوان يغالون في التشدد- وهم قلة والحمد لله- غير أنني اكتشفت أن أمثال هؤلاء منحرفون عن الدعوة ويتظاهرون بالتشدد ليثق فيهم الآخرون.

وكان الإمام إذا اكتشفت بعضا ممن يعملون مع القلم السياسي «هو أصل المباحث العامة الحالية»- وكانت له مصادره الخاصة- فإنه يبعث إليهم تباعا ويجلس مع كل منهم علي انفراد ثم يقول له عرفت أنك تعمل لحساب القلم السياسي فيرد الآخر طبعا منكرا بشدة فيقول الإمام له: أنا أعلم ذلك يقينا ولم أحضرك هنا للتحقيق معك بل لأحل لك المال الذي تأخذه من الحكومة فأنت تتجسس علينا وهذا حرام وتتفاضي أجرا نظير تجسسك فهذا الأجر حرام وأنت لا تعلم شيئاً ذا قيمة من أخبار الإخوان فتؤلف لرئاستك في القلم السياسي أي أخبار من عندك وهذا كذب وحرام أريد أن أبعدك عن هذا الحراك كله وأسمح لك بأن تتقاضي ماشئت من أجري من الحكومة بشرط أن تبلغهم الأخبار الصحيحة اذهب إلي محمود عساف مدير شركة الإعلانات العربية «وهي من شركات الإخوان» وهو سيعطيك الأخبار الصحيحة مرتين كل أسبوع.

أبلغني الإمام بهذا الاتفاق وكان يبعث لي كل يوم بأهم الأخبار في ظرف مغلق أو يبلغها لي في آخر الليل حين أصحبه إلي داره وكنت أعد أوراقا أكتبها بنفسي علي الآلة الكاتبة كل منها يحتوي علي خمسة أو ستة أخبار بحيث يكون هناك خبر مكرر عند كل اثنين وذلك لكي يصادق كل منهما علي تقرير الآخر المرفوع للقلم السياسي.

كانت تلك الأخبار تتعلق غالبا بالأشخاص الهامين الذين يزورون الأستاذ الإمام وما يدور معهم من أحاديث ومناقشات وبعض أخبار أقسام المركز العام كالجوالة وقسم الطلاب وقسم العمال مما كان يهتم به رجال القلم السياسي كثيراً ولم نكن نؤلف أي أخبار حيث إن الأخبار الحقيقية كانت كثيرة ومتوافرة ولم يكن هناك داع إليها لما يحتمل أن يكتشف بعد ذلك من كذب فيها وكان من المهم لنا أن ينال هؤلاء الجواسيس ثقة رجال القلم السياسي.

كان الإمام يقول: لو أن هؤلاء الناس عرفوا حقيقة دعوتنا ماحاربونا هذه الحرب الضروس ولما عاملتنا الحكومة هذه المعاملة السيئة، ولما انقلبت علينا الأحزاب ولكن الشك يملأ قلوبهم لأنهم لم يعتادوا أن يتعاملوا مع أناس مخلصين لوطنهم ودينهم.

كان عدد هؤلاء الجواسيس سبعة منهم ثلاثة يعملون موظفين بالمركز العام أحدهم كان بوابا وعامة الإخوان لا يعرفون أنه موظف فكانوا يقولون: إن أبوخضرة رجل منقطع للدعوة يجلس دائماً علي الأريكة الخشبية علي باب المركز العام وهم لم يكونوا يدرون أنه كان عينا علي الداخلين والخارجين وكان الثاني ملتحيا ووجهه يشبه وجه النمر وعيناه ضيقتان تلمعان كان يدق علي الأبواب المغلقة مناديا علي من بداخل الغرف: الصلاة، الصلاة، الصلاة كان متحمسا جدا ويدق الأبواب قبل حلول وقت الصلاة بربع ساعة لكي يذهب الناس للوضوء، وكان الإخوان يقولون: كم هو ملتزم هذا الأخ.. العشماوي «هو طبعا غير صالح عشماوي أو حسن العشماوي» أما الثالث فكان اسمه توفيق ولا أذكر لقبه كان موظفا بمكتب الأستاذ الإمام يحتفظ بصور الخطابات ويعد البريد للتصدير، وكانت تلك فرصة له لكي يطلع علي مكاتبات الإخوان

قلت للإمام يوما: لماذا لا نتخلص من هؤلاء ونريح أنفسنا؟

فقال: ياعبيط هؤلاء نعرفهم وإذا تخلصنا منهم سيرسلون إلينا غيرهم ممن لا نعرف

ليست هناك تعليقات: